يحيى الكندري

يحيى الكندري

الجمعة، 13 مارس 2015

النتيجة الكويتية للعصفور والعسعوسي .. كتاب فلكي كويتي نادر ..


تقويمٌ فلكيٌّ كويتيٌّ نادرٌ

النَّتيجة الكويتية للعصفور والعسعوسي

نقف اليوم مع كتاب نادر، يعدُّ من أوائل التصانيف الفلكية الكويتية التي وصلتنا، ألا وهو كتاب "النتيجة الكويتية" الذي اشترك في تأليفه فلكيَّان كويتيَّان هما النُّوخِذة حسين بن عبدالرحمن العَسْعوسي، و النُّوخِذة محمد بن عيسى العصفور، رحمهما الله.

النتيجة:

النَّتيجة كما في (المعجم الوسيط) (مادة ن ت ج): هي التقويمُ السَنَوِيُّ الـمُسْتَخْرجُ من الحساب الفلكي، وقد فات كُلاً: أحمد البشر الرومي في (معجم المصطلحات البحريَّة)، وحمد السّعيدان في (الموسوعة الكويتية)، وحسن شهاب في (الملاحة الفلكية عند العرب)؛ التعريف بها، وذكر الدكتور يعقوب الحجي في (نواخذة السفن الشراعية): أنها روزنامة فلكية.

التعريف بالمؤلفين:

أوَّلُهما: حسين بن عبدالرحمن العَسْعوسي، أحد نُواخِذة السفر الـمَهَرة، ركب البحر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وحصل في عام (1938م) على شهادة في شئون الملاحة من القبطان البريطاني الليفتينانت ماثيوس بعد أن أجري له اختبار على ظهر البارجة شورهام، وترك العمل في البحر عام (1949م) لانقطاع الطلب على السفن الشراعيَّة، واستفاد منه وتعلم على يديه العديد من النواخذة كالنُّوخذة سالم العبدالجادر والنُّوخذة عيسى المطر، توفِّيَ رحمه الله عام (1986م).

وثانيهما: محمد بن عيسى العصفور، أحد نُواخِذة السفر الـمَهَرة، ولد عام (1908م)، ركب البحر وهو ابن خمس عشرة سنة، وتعلَّم مبادئ السفر، وعرفَ استخدام آلة الكمال التي تستخدم لتحديد موقع السفينة في عرض البحر، وقراءة الخرائط البحرية، حصل في عام (1938م) على شهادة في شئون الملاحة من القبطان البريطاني الليفتينانت ماثيوس، بعد أن أجري له اختبار على ظهر البارجة شورهام، وتوفي رحمه الله عام (1962م).

التعريف بالمتبرعَيْن بطباعة النشرة الأولى من الكتاب:

للأسف أنني واجهت صعوبة عند التعريف بهذين العَلَمَيْن الجليلين، بسبب شحّ المصادر عنهما، فعبدالله الحمد الصقر لم يكتب عنه إلا أقل من سطر واحد في (الشخصيات الكويتية) للدكتور أحمد العلي، أما عبدالله الزيد الخالد فوقفت على بعض أخباره وشمائله في (شخصيات كويتية ومناسبات اجتماعية) للأستاذ غانم يوسف الشاهين الغانم، إلا أنها لا تفي بغرض التعريف به، وقد حاولت التعريف بهما بقدر المستطاع.

أَوَّلُهما: الوَجيه التاجر عبدالله حمد الصَّقر، من أسرة تجارية كريمة، اشتهرت بالتجارة الواسعة، حتى وُسِمَ والد الـمُتَرْجَم بـ(ـمَلِكِ التُّمور)، توفي في البصرة حسب ما حكى لي العمّ محمد الصالح الإبراهيم شفاه الله، وحددها الأستاذ أحمد العلي في (الشخصيات الكويتية) بالعام (١٩٣٩)، ويشكل على ما سبق ما أورده الأستاذ أحمد البشر الرومي نقلاً عن الإذاعة في (مذكراته) أنها في لندن عام (١٩٧٤) !! 

ثانيهما: الوَجيه التَّاجر عبدالله الزيد الخالد، من أسرة تجاريَّة لها مساهمات كبيرة في الإصلاح والتنمية منذ نشأة الكويت، وهو أحد أعضاء النادي الأدبي .

النشرة الثانية من الكتاب:

طبع الكتاب مرَّةً أخرى عام (1406هـ=1986م) بمطبعة حكومة الكويت، وقد تم صفّ الكتاب بحرف جديد، ونشر بأوَّل الكتاب صوراً شخصية للمؤلفين، وشهادتهما الملاحيَّة الصادرة من الليفتنانت ماثيوس في (2/يوليو/1938م)، وتقع هذه النشرة في (39) ورقة من القطع الكبير.

التعريف بالكتاب:

يقع الكتاب في (41) ورقة من القطع الصغير، وقد طُبِعَ عام (1352هـ=1933م) في المطبعة الوطنيَّة في العَشَّار من ضواحي البصرة، على نفقة وجيهَيْنِ كريمَيْنِ من أفاضل تُجَّار الكويت المحسنين، وهما الوجيه الفاضل عبدالله الحمد الصقر، والوجيه الفاضل عبدالله الزيد الخالد، وقيامهما بتمويل طباعة الكتاب عملٌ مشكورٌ، يدلُّ على الاهتمام بالعلم، وتشجيع المؤلفين، ونشر الكتب، خصوصاً ما تمس إليه الحاجة، نحو كتابنا هذا.

وقد دعت دواعٍ لتصنيف هذا الكتاب، بينها المؤلِّفان في مقدمتهما؛ أَوَّلُها: انتهاء مدة النتائج الكويتية آنذاك وانقراضها، مما يشير إلى وُجود جهودٍ كويتية سبقت عملهما، وثانيها: إلحاح  أصدقاء الـمُؤَلِّفَيْنِ؛ بسبب الحاجة الماسّة، وثالثها: رغبتهما في خدمة الوطن، من خلال سدّ هذا الفراغ.

وقد تَجَشَّم المؤلفان عدة صعوبات في سبيل تحقيق هذا الهدف، من معاناة الحسابات الفلكية، والرجوع إلى بعض المصادر التي توفرت لديهما، علاوةً على ترتيب القواعد وتبسيط المعلومة خدمةً للقارئ، واختتما مقدمتهما بالاعتذار للقارئ عن الخطأ، وبذلهما أقصى إمكانياتهما في سبيل تحقيق هدفهما، وفي اعتذارهما إلى القارئ دليل على تقبلهما للنقد العلمي، وتمعتهما بأدب البحث، حيث لم يُنَزِّها عملهما عن الخطل والزلل، ولم يمتدحا عملهما أو يفضّلاه على سواه من الأعمال العلمية، وكفى بها منقبةً للباحث، وعلامة على صدقه.

وتبدأ هذه (النتيجة) بشهر محرم (1350هـ) الموافق لشهر مايو (1931م)، وتنتهي في شهر ذي الحجة عام (1414هـ)، الموافق لشهر مايو (1994م)، أي أنها تغطي ستين عاماً، وقد وضع المؤلفان في بدايتها شرحاً مفصلة لطريقة استخدام الجدول، ويستغرق الجدول الصفحات (3-7).

ثم شرع المؤلفان في جدولٍ آخر خصص لمعرفة أوقات الصلاة طوال السنة، وفي هوامشه فوائد حول البروج والمطالع، ويستغرق الصفحات (7-26).

وينتهيان بجدول خُصِّصَ لمعرفة دخول البرج في أيِّ يومٍ من أيَّام الأسبوع، وكم يعادل في الشهر القمري، ويستغرق الصفحات (27-34).

واختتم المؤلفان سِفْرهما المختصر، بفوائد فلكية متنوعة، أهمها أبيات في معرفة السَّنة الكبيسة، انتقاها المؤلفان من منظومة نادرة للعلامة الجليل محمد بن عبدالله بن بن محمد فيروز الحنبليّ، الـمُتَوّفَّى بالبصرة (ت1216هـ)، أحد أعيان علماء الحنابلة في القرن الثاني عشر الهجري، وعنوانها ((عُجالةُ الـمُسْتَعْجِل))، والتي لا تزال في عِداد المخطوطات، ومما تجدر الإشارة إليه أن منها نسخة نادرة، يحتفظ بها الشيخ الأديب محمد الصالح الإبراهيم شفاه الله وعافاه في خزانته العامرة، ومنها أيضاً نسخةٌ خطيَّة في مكتبة خاصة بالأحساء، أفادني بها الدكتور حسن الحسين وفقه الله، كما ذكرها الأستاذ خالد المانع في كتابه ((مؤلفات علماء نجد المخطوطة))، وعن حجمها يذكر العلامة المؤرِّخ محمد بن عبدالله ابن حميد (ت1295هـ) في (السُّحُبِ الوابلة) (3/979) أنها تقع في نحو ثلاثمائة بيت.

كما استغل المؤلفان الفرصة، ليقوما بتحقيق ونشر (منظومة في حساب النجوم والبروج والشُّهور الروميَّة) من نظمِ الشيخ محمد بن شهوان بن عبدالله بن محمد الشهوان (ت1379هـ)، أحد علماء الزبير، ومن أصدقاء عالم الكويت الشيخ عبدالله الخلف الدحيان (ت1349هـ=1931م)، وهي من المنظومات التي عُنِيَ بها العلماء حفظاً وتدريساً ونسخاً، ومنها عدَّة نسخ خطية في المكتبات الخاصة، منها نسخةٌ في مكتبة الأخ الباحث حسان بن إبراهيم الرديعان الخاصة في حائل.

وممن عُنِيَ بهذا السِّفر نسخاً وإفادةً؛ النوخذة عبدالله عبدالعزيز البراك في مُرْشِدِهِ البَحْريِّ الموسومِ (بالدفتر المترجم في جميع المسائل والمعاني)، صَنَّفه عام (1368هـ=1949م)، فانتسخ بأوَّله كتابنا هذا كاملاً، حتى أنه أورد الفوائد والقصائد والرسوم في الصفحات (19-52)، ثم عَزَّزهُ بفوائد ورسوم من عنده، ويُعَدُّ بهذا نسخةً مخطوطةً لكتابنا، وقد صدر (الدفتر) عن مركز البحوث والدراسات الكويتية (2010م)ـ بإشراف د.يعقوب الحجي، وقَدَّمَ له د. عبدالله يوسف الغنيم.

شكر وتقدير:

ختاماً نتقدَّمُ بالشكر الوافر الجزيل إلى د.صالح العجيري حفظه الله الذي سمحَ لنا بتصوير نسخة نادرة من الكتاب تحتفظ بها خزانته الفلكيَّة العامرة، والشكر موصول للأخ الفاضل/ المهندس إبراهيم الجامع، والأخ العزيز/ عبدالرحمن محمد الإبراهيم؛ على سِعايتهما المبرورة، كما أشكر الباحث الفاضل/ نواف العصفور على تكرمه بتصوير نسخةٍ من النشرة الثانية (للنتيجة)، والتي يحتفظ بنسخة منها في متحفه البحريّ المميز.

الخميس، 22 يناير 2015

عبدالله بن نظام الدين الأشتري (ت١١١٧هـ) نجديٌّ متصوف من القرن الحادي عشر

هذه ترجمةٌ نادرةٌ لعلمٍ نجديٍّ كان أحد العلماء المشهورين في نجد فترة القرن الحادي عشر كما يصفه المؤرخ مصطفى بن فتح الله الحموي (ت١١٢٣هـ)، في موسوعته النفيسة (فوائد الارتحال ونتائج السفر في أخبار القرن الحادي عشر)، وقد سجّل لنا الحموي هذه الترجمة عن مشاهدة ومعرفة فقال عن المترجم : "واجتمعت به مرَّات".

ولندرة هذه الترجمة تناولتها بالتعليق والشرح، وقارنت جديد ما أفادته ببعض كتابات الباحثين السابقة فيما يتعلق بالحالة الدينية والعقائدية في نجد قبل بداية الدعوة الإصلاحية، مع إثبات نصِّ الترجمة، وفي ذلك دليل جديد يعضّده ما قرره كثيرٌ من الباحثين حول الحالة العقائدية في نجد قبل الدعوة الإصلاحية، وأنها كانت تعجّ بالشركيات والتصوف، وتكمن أهمية هذا النص في أن من كتبه هو عالمٌ متصوف بخلاف ابن غنام وابن بشر، اللذين يتهمهما بعض الباحثين بأنهما يهوّلان قضايا الشرك والتصوف في نجد قبل بداية الدعوة الإصلاحية، بسبب موافقتهما للدعوة الإصلاحية.


• نصّ الترجمة :
قال مصطفى بن فتح الله الحموي (ت١١٢٣هـ) في (فوائد الارتحال ونتائج السفر في أخبار القرن الحادي عشر) (ج٤-ص٤٤٥ ترجمة ١١٦٠) :

"عبدالله بن نظام الدين، النجديُّ السكن، الفُرْسِي المولد، الأشتري، النقشبندي المشرب، الشافعي المذهب.

أحد مشايخ الطريقة، وأصحاب الدعوة، الملازمين للأذكار والرواتب، والشيوخ المشهورين ببلاد نجد، له المنزلة العلية، والشيم المرضية، والأخلاق النبوية.

قدم مكة مرات، آخرها سنة ثلاث عشرة ومائة وألف، وحصلت له العزة العظيمة عند شريف مكة، ومن دونه من الأشراف الحسنيين بحيث أني رأيت بعض أكابرهم يتعاطى خدمته بنفسه، وأقام مدة بمكة، واجتمعت به مرات.

وكان في أغلب أحواله بالمراقبة، متمسكاً بدائرة رجال الغيب، والاستعانة بهم في كل وقت، والتوجه إليهم حيث كانوا، لذلك تمّ له النَّفَسُ.

ثم توفي بمكة لعلَّهُ سنة سبع عشرة بعد الألف ومائة، ودفن بالـمُعَلاَّة رحمه الله". انتهى نصُّ الحموي.


• اسمه :
للأسف وعلى غير عادة المؤرخ الحموي لم يذكر لنا سوى اسمه الثنائي "عبدالله بن نظام الدين"، وليست هذه الألقاب المركبة ببعيدة عن علماء نجد، فقد ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي في (توضيح المشتبه) (ج٥-ص٣٨) من اسمه وليّ الدين سالم بن نافع بن رضوان النجدي الحنبلي (كان حَيّاً ٦٣٥هـ).


• النسبة إلى نجد :
ونلاحظ أن الحموي وسمه بالنجدي السكن، نسبةً لسكنه في بلاد نجد، وأكد ذلك بقوله: "أحد الشيوخ المشهورين ببلاد نجد"، ودل على إقامته بنجد قوله "قدم مكة"، وقوله: "وأقام مدة بمكة"، أي أنه من الوافدين إلى الحجاز من الأقطار.
 

• محل ولادة المترجم:

أما نسبة "الفُرْسي" فيبدو لي والله أعلم أنها نسبةً إلى وادي الفُرْس، أو كما تسميه العامّة اليوم الفِرْس، قال ياقوت في (معجم البلدان) (ج٤-ص٢٨٤ رقم ٩١١١) : "الفُرْسُ: بضم الفاءِ وقيل بكسرها، والسين مهملة، وادٍ بين المدينة وديار طيء على طريق خيبر بين ضرغد وأول"، وقال الشيخ حمد الجاسر في (معجم الجغرافي للبلاد السعودية شمال المملكة) (القسم٣-ص١٠٣٣) بعد أن ساق كلام ياقوت: "وأقول: الفِرْس بالفاء المكسورة بعدها راءٌ مكسورة، وادٍ يقع شرقَ ضُرَيغد مسراح الغنم، وبقربه أَوْل، وهذا ينطبق تمام الانطباق على ما ذكره ياقوت، وهذا الوادي ينحدر من جبل اسمه الْفِرْس، ومن جبل أَوْلٍ وما حولهما، ويتجه جنوباً، ويجتمع مع أوديةٍ كثيرة تفيض كلها في وادي الرُّمَّة شرق الحُليفة، وشرق بئر مَعْرش"، وفي هذا ما يثبت ولادة المترجم بنواحي الجزيرة، وأنه ليس وافداً إليها.


• نسب المترجم :
أما قوله: "الأشتري" فيحتمل أنه نسبةً لمالك بن الأشتر النخعي، من بني النخع بن عمرو من مذحج القحطانية، لكن المشتهر عنهم أنهم نزلوا الكوفة، وينتسب لهم اليوم قبيلة بني مالك العراقيَّة، ويحتمل أنه نسبةً لغيره، والأشتر في لغة العرب مشقوق الشفة السُّفلى.
منقلب جَفْن العين، ولم أجد من رفع هذه النسبة، وراجعت لها (معجم قبائل العرب) لعمر رضا كحالة وهو من أوسع ما كتب في نسب القبائل فلم أجدها، وراجعت له ((معجم قبائل الجزيرة العربية)) للشيخ حمد الجاسر فلم أجدها أيضاً.


• مذهب المترجم الفقهي:
عاشت نجد في ظل تطورات مذهبية ابتدأت بالخروج والتشيع وانتهت بالمالكية والحنبلية !
فظهر الخوارج باليمامة إبان العهد الأموي، وتأسست دولة الأشراف بني الأخيضر منتصف القرن الثالث الهجري في الخضرمة، وهم شيعة زيدية كما يقول ناصر خسرو (ت٤٨١هـ) في (سفرنامه) وقد كان مروره على نجد في القرن الخامس الهجري وتحديداً عام (٤٤٢هـ).
قال ابن عقيل الظاهري: "ففي الشرق من سقوط دولة الأخيضريين إلى سنة 1331 ارتبطت نجد في أغلب الأحيان بالقرامطة، وآل عيوني، والأمراء من بني مالك بن عامر بن عقيل، وأجود بن زامل العقيلي الجبري، والأتراك وآل حميد، وكل هذه الدول مركزها الأحساء، وفي الغرب دولة الأشراف في الحجاز".
وهكذا بدأت التبعية الفكرية النجدية للمؤسسات السياسية خارج نجد، فعندما استولى القرامطة على الجزيرة العربية؛ وهم إسماعيلية باطنية، دانت لهم نجد، وصار أعراب الجزيرة عماد جيش الفاطميين في حروبهم، إلى أن ظهرت الدولة الجبرية فسيطرت على الأحساء والبحرين والقطيف ونجد وعُمان، وهي دولة مالكيَّة، واحتفى ملكها أجود بن زامل الجبري (ت٩١١هـ) بفقهاء المالكية ووصفه عبدالباسط الملطي (ت٩٢٠هـ) (المجمع المفنن) (ج١-ص٢١٧ ترجمة ٢٥٣) بالنجديِّ الأصل، وأنه مغرم بتحصيل كتب المالكية، وأنه ولَّى الفقهاء من أهل السنة القضاء، بعد أن كان يتولاها الشيعة، كما وسمه السمهودي حسب نقل السخاوي عنه في (الضوء اللامع) (ج١-ص١٩٠) بـأنه "صار رئيس نجد".
وفي تلك الفترة كان هناك بعض فقهاء الحنابلة من النجديين كأحمد بن يحيى بن عطوة (ت٩٤٨هـ)، وأحمد بن إبراهيم بن أبي حميدان، وقد أوقفا كتبهما على مدرسة صالحية دمشق، ويرى الباحث عبدالرحمن الشقير أن سبب ذلك هو قلة الحنابلة في نجد آنذاك.
كما ظهر من الحنفية الشيخ راشد بن خنين (كان حيّاً ١١١٩هـ)، وقد رجَّح ابن بسام في (علماء نجد) أنه مالكيُّ المذهب، وعضده د.عبدالله العثيمين في بحثه (نجد منذ القرن العاشر) عندما أشار إلى أنه لا حنفية في نجد أبداً، ووافق هذا القول الباحث عبدالرحمن الشقير في بحثه (المذهب الحنبلي في نجد دراسة تاريخية) (مجلة الدارة ع١ السنة٢٨)، وقد ظهر ضعف هذه الأقوال وثبوت تمذهبه بالمذهب الحنفي بعد أن نشر الباحث عبدالعزيز البراك بحثه (جريدة الجزيرة، صفحة وراق الجزيرة ١٧-٧-٢٠١١) عن الشيخ راشد بن خنين وأثبت من خلال الوثائق أنه حنفي المذهب.
وبالنسبة للمذهب الشافعي فذكره في نجد نادر، حتى جزم الباحث عبدالرحمن الشقير أن حسين بن عثمان بن زيد الذي ذكر ابن منقور في (مجموعه) (ج١-ص٢٢٣) أنه تحول من الحنبلية إلى الشافعية هو النجدي الشافعي الوحيد. 

وبظهور هذه الترجمة التي نتناولها الآن نستطيع أن نقول أن مترجمنا هو ثاني اثنين حسب ما اطلعنا عليه.


• تصوُّفُ المترجم:

يذهب الدكتور عبدالعزيز العبداللطيف في رسالته (مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية) في مبحث التصوف عند علماء نجد إلى أن التصوف في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب هو تصوف خرافي، مشوب ببعض العقائد الفاسدة، لكنه لم يصل إلى اعتناق الطرق الصوفية، ولبس الخرقة ونحوها، وتأتي هذه الترجمة لتثبت العكس! وأن من علماء نجد -قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- من التزم بطريقة صوفية، وهو مترجمنا إذ ذكر الحموي أنه "نقشبندي المشرب"، وقال أيضاً: "أحد مشايخ الطريقة، وأصحاب الدعوة، الملازمين للأذكار والرواتب".

وإلى جانب نقشبنديَّة مترجمنا النجديّ فقد سجل الحموي نصّاً في استعانته بغير الله تعالى، والاستغاثة والتعلق بالأموات من الصالحين وغيرهم، مما هو من الشرك الأكبر نسأل الله السلامة والعافية، قال الحموي: "وكان في أغلب أحواله بالمراقبة، متمسكاً بدائرة رجال الغيب، والاستعانة بهم في كل وقت، والتوجه إليهم حيث كانوا، لذلك تمّ له النَّفَسُ".



• علاقته بمكة والأشراف:

يذكر الحموي إجلال السادة الأشراف الحسنيين للمترجم، حتى أنه رأى بعضهم يخدمه بنفسه، وآخر قدومٍ قدمه المترجم لمكة سنة (١١١٣هـ)

وكان حظياً عند أميرها، قال : "وحصلت له العزة العظيمة عند شريف مكة".

وشريف مكة في العام الذي جعله الحموي آخر عام قدمه المترجم لمكة (١١١٣هـ) هو الشريف سعد بن زيد، وظل أميراً حتى شهر شوال، وهي ولايته الثالثة التي ابتدأت منذ شهر ربيع الثاني عام (١١٠٦هـ)، وفي شوال من عام (١١١٣هـ) صار منصب شريف مكة من نصيب الشريف سعيد بن سعد للمرة الثالثة حتى ربيع الأول من عام (١١١٦هـ)، فربما يكون المقصود هو الشريف سعد بن زيد، والله أعلم.
 
• وفاته :

توفي المترجم بمكة، ودفن في مقبرة المعلاة، وشكّ الحموي في سنة وفاته فقال: "ثم توفي بمكة لعلَّهُ سنة سبع عشرة بعد الألف ومائة، ودفن بالـمُعَلاَّة رحمه الله".

 



 

الأربعاء، 16 يوليو 2014

وثيقة مزورة تخص قبيلة عبيدل وآل رشيد أمراء حائل

انتشرت مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة  حول قبيلة العبادلة الكريمة، وهي عبارة عن رسالة من الأمير حمود العبيد الرشيد، إلى شيخ قبيلة عبيدل سلطان العبيدلي.
 
وقد توصلت بعد مطالعتها وإمعان النظر فيها، أنها وثيقة مزورة وغير صحيحة للأسباب التالية:
 
أولاً :  الخط حديث جداً، ويتبين من رسم الكلمات أنه ليس من خطوط القرن الثالث عشر الهجري حسب تاريخ الرسالة.
ثانياً: تقاليد الكتابة ولغتها مختلفة عن لغة وطريقة وتقاليد ذاك العصر في مراسلاتهم.
ثالثاً: الرسالة موجهة من الأمير حمود العبيد الرشيد، وهو وإن لم نعرف تاريخ ولادته بالضبط، لكنه من مواليد ما بين (1255هـ/1265هـ) تقريباً حسب آراء المورخين.
فيكون عمره وقت الرسالة وتاريخها عام (١٢٦٦) على الأكثر ١١ سنة فقط!! فيستحيل ان يراسل القبائل وخصوصا النائية وهو بهذا العمر.
رابعاً: ورد في الرسالة أن والده الأمير عبيد الرشيد يذكر أملاك عبيدل وأنها محفوظ، والحقيقة أن الأمير عبيد الرشيد لم يكن حاكم حائل حينها !! بل حاكم حائل عام (١٢٦٦) هو الامير طلال بن عبدالله الرشيد، ولو كان لعبيدل أملاك في حائل فهو من سيحفظها بكونه الأمير وليس عمه عبيد.
خامساً: عدم ذكر مصدر الوثيقة الاصلية مما يثير حولها الشكوك.
 
وقد أطلعتُ على الوثيقة عدداً من الباحثين المختصين بالجزيرة العربية كالأستاذ الباحث طلال الشمري، والشيخ نواف المحمد الرشيد -وهو من أحفاد الأمير عبيد الرشيد-، والأستاذ جلال الهارون الأنصاري، فاتفقوا معي جميعاً على عدم صحتها .
 
الوثيقة المزورة :